الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين

كائنات بلا أكسجين تمثل أحد أعجب الاكتشافات في علم الأحياء الحديث. إذ أثبتت أن الحياة يمكن أن تزدهر دون الاعتماد على الأكسجين. بالتالي ففي عام 2010. عثر على هذه المخلوقات المجهرية في أعماق البحار. حيث تعيش دون ميتوكوندريا وتعتمد على آليات بديلة لإنتاج الطاقة. هذا الاكتشاف غير المفهوم التقليدي للحياة الحيوانية. وفتح آفاق جديدة لدراسة التكيف البيولوجي وإمكانية وجود حياة في بيئات أخرى خارج كوكب الأرض.
كائنات بلا أكسجين

قبل هذا الاكتشاف كان يعتقد أن الحياة اللاهوائية تقتصر حصراً على الكائنات وحيدة الخلية مثل البكتيريا والأركيا. وبعض الكائنات حقيقية النواة البسيطة كالخمائر والطفيليات. كذلك الحيوانات التي يمكنها البقاء على قيد الحياة لفترات قصيرة دون أكسجين .(مثل بعض الديدان البحرية أو السلاحف) تظل تعتمد على التنفس الهوائي كآلية أساسية، وتمارس تحمل مؤقت لبيئات الأكسجين المنخفض .
التحول البيولوجي الجذري
إن الكائنات المكتشفة التي تنتمي إلى شعبة الوريقيات تختلف جذري. فهي تعد كائنات بلا أكسجين بالمعنى الإلزامي . بالتالي هذا يعني أنها لا تستطيع فقط تحمل بيئة خالية من الأكسجين. بل إنها في الواقع تزدهر فيها وتعتبر الأكسجين سام لها في الأغلب.
علاوة علي ذلك هذه الكائنات المجهرية (أقل من 1 مم) تقع في قاع السلسلة الغذائية في بيئتها المتطرفة. وتمثل الدليل الأول على وجود حيوانات متعددة الخلايا أكملت عملية التكيف اللاهوائي. مما يمثل تحول جذري في بيولوجيا الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين.
تحدي التعريف
لسنين كان تعريف الحيوان يرتبط بمتطلبات التنفس الهوائي. إن اكتشاف هذه كائنات بلا أكسجين يفرض على العلماء توسيع تعريف الحيوانات ليشمل الكائنات التي طورت آليات ميتاكوندريا متغيرة. مما يفتح الباب أمام احتمال وجود تنوع حيوي لا متناهي في مناطق الأرض الأقل استكشاف.[1]
تعرف أيضًا على: المطر الأسود
أمثلة من الأعماق

جاء الدليل القاطع على وجود الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين من بيئة متطرفة في قاع البحر الأبيض المتوسط. وهي جيوب تعرف باسم “أحواض الملح القاعية”. كذلك مثل حوض أتالانتي هذا الحوض الواقع على عمق يزيد عن 3,000 متر (حوالي 10,000 قدم) تحت سطح البحر هو موطن هذه المخلوقات.
بالتالي ما يجعل هذا المكان موطن مثالي لـ أمثلة من الأعماق هو طبيعته القاسية بشكل لا يصدق. يعد حوض أتالانتي بالوعة ملحية تنتج عن ذوبان ترسبات الملح القديمة، مما أدى إلى تكوين جيوب مائية ذات خصائص فريدة.
التوائم الثلاثة في القاع
تم العثور على ثلاثة أنواع مختلفة من الوريقيات في هذا الحوض. بالتالي هذه الأنواع الثلاثة المكتشفة حية وتتكاثر في هذا الموطن اللاسع. مما يثبت أنها ليست مجرد كائنات عائمة ماتت وانتهت في البيئة. بل هي جزء نشط من النظام البيئي اللاهوائي.
غلاوة علي ذلك إن دراسة هذه أمثلة من الأعماق تقدم مفاتيح حول حدود الحياة في ظل الظروف القاسية التي تفوق أي بيئة أخرى على الأرض. تعد بيئة حوض أتالانتي موطن الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين. واحدة من أقصى البيئات على الأرض. حيث تتضافر العوامل الكيميائية والفيزيائية لتجعل الحياة التقليدية مستحيلة.
تعرف أيضًا على: أغرب الظواهر في السماء
تشمل هذه الظروف ما يلي

- انعدام الأكسجين الكلي (Anoxia): الطبقات السفلى من هذا الحوض خالية تماماً من الأكسجين المذاب. هذا النقص الحاد في الأكسجين هو ما جعلها موطن حصري لهذه كائنات بلا أكسجين و يمثل تحدي هائل لأي حيوان هوائي تقليدي.
- الملوحة الفائقة (Hypersalinity): يتميز حوض أتالانتي بتركيز ملحي مفرط (يتجاوز عشرة أضعاف ملوحة المحيط العادية). هذا التركيز العالي يزيد من كثافة المياه ويمنع أي اختلاط مع المياه الغنية بالأكسجين أعلاها. ويضع ضغط تناضحي (Osmotic Stress) قاتل على معظم أشكال الحياة.
- السمية الكبريتيدية (Sulfide Toxicity): تحتوي مياه الحوض على تركيزات عالية من كبريتيد الهيدروجين. وهو غاز سام للغاية ومهلك لغالبية الكائنات الحية. هذه أمثلة من الأعماق طورت آليات لمقاومة هذه السموم الكيميائية. أو ربما تستخدمها في عملياتها الأيضية.[2]
أسرار البقاء في بيئة قاسية

السؤال الأكثر إلحاحاً بعد اكتشاف الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين هو أسرار البقاء في بيئة قاسية كهذه دون الميتوكوندريا؟ الإجابة تكمن في إعادة التدوير البيولوجي للعضيات الخلوية. كاستبدال الميتوكوندريا بالهيدروجينوسومات فالميتوكوندريا هي مصنع الطاقة الذي يستخدم الأكسجين لإنتاج جزيئات الطاقة (ATP).
كذلك الكائنات المكتشفة من الوريقيات تفتقر إلى الميتوكوندريا. وبدل من ذلك تمتلك عضيات بديلة تسمى جسيمات هيدروجينية هذه الجسيمات هي نوع من الميتوكوندريا المعدلة التي تقوم بعملية تنفس لاهوائية. فتستمد طاقتها من تحلل جزيئات عضوية (مثل الكربوهيدرات) دون الحاجة للأكسجين. وتطلق غاز الهيدروجين كمنتج ثانوي فهذه الآلية هي مفتاح أسرار البقاء في بيئة قاسية وهي المرة الأولى التي يكتشف فيها أن حيوان متعدد الخلايا يستخدم هذه العضية.
تقليص الحجم
من بين أسرار البقاء في بيئة قاسية أيضاً الحجم المجهري لهذه الكائنات. بالتالي إن الكائنات الصغيرة تحتاج إلى طاقة أقل بكثير للبقاء على قيد الحياة. كذلك مما يقلل من متطلباتها الأيضية ويجعل عملية التنفس اللاهوائي القائمة على الهيدروجينوسومات كافية لمتطلباتها. هذا التكيف الهيكلي ضروري لاستمرار الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين.
الاستفادة من السموم
يعتقد أن هذه الكائنات قد تكون طورت علاقة تعايشية مع كائنات أخرى (مثل بكتيريا لاهوائية) تتغذى على كبريتيد الهيدروجين السام الموجود في بيئتها. بينما هذا التعايش يحميها من السموم ويحولها إلى مصدر محتمل للغذاء. مما يؤكد أن كائنات بلا أكسجين تستخدم بيئتها القاسية لصالحها.
تعرف أيضًا على: أغرب الاكتشافات في الكهوف
التطبيقات العلمية للاكتشاف

إن أهمية اكتشاف الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين تتجاوز علم الأحياء البحرية. وتقدم إمكانيات ضخمة لـ التطبيقات العلمية للاكتشاف في مجالات متعددة.كالبحث عن الحياة خارج الأرض و يقدم هذا الاكتشاف دليل حي على أن الحياة المعقدة لا تتطلب بالضرورة الأكسجين.
هذا يعزز الاعتقاد بأن العوالم المائية في النظام الشمسي. مثل المحيطات الجوفية على قمر المشتري أوروبا أو قمر زحل إنسيلادوس. بالتالي قد تكون قادرة على استضافة حياة حيوانية معقدة نسبياً. إن التطبيقات العلمية للاكتشاف هنا تفرض على الباحثين توسيع معايير البحث عن الكواكب الصالحة للسكن لتشمل العوالم اللاهوائية. كفهم نشأة الحياة على الأرض فيعتقد أن البيئة القديمة للأرض كانت خالية من الأكسجين في بداياتها.
إن اكتشاف الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين يشير إلى أن أسلاف الحيوانات المتعددة الخلايا ربما تكون قد نشأت في بيئة لاهوائية. ثم تطورت لاحقاً للاعتماد على الأكسجين مع تغير تكوين الغلاف الجوي للأرض. هذا الاكتشاف يعيد كتابة جزء من تاريخ التطور على الأرض. والطب والسرطان فتشمل التطبيقات العلمية للاكتشاف أيضاً مجال الأبحاث الطبية. أورام السرطان على سبيل المثال غالباً ما تصنع مناطق منخفضة الأكسجين (Hypoxic Zones).
فهم كيفية عمل الأيض اللاهوائي في كائنات بلا أكسجين يمكن أن يوفر رؤى جديدة حول كيفية تكيف الخلايا السرطانية في هذه البيئات القاسية، وربما يقدم أهداف جديدة لتطوير علاجات تقطع إمداد الخلايا السرطانية بالطاقة.
تعرف أيضًا على: ظاهرة قوس قزح المزدوج
في الختام يمثل اكتشاف الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين علامة فارقة في علم الأحياء. إن قصص أمثلة من الأعماق هذه. التي كشفت أسرار البقاء في بيئة قاسية. تبرهن على المرونة الهائلة للحياة وقدرتها على تجاوز ما كنا نعتقد أنها حدود بيولوجية صلبة. بينما نواصل البحث عن كائنات بلا أكسجين أخرى. كذلك فإننا نعيد تقييم القوانين الأساسية للحياة. ونستخدم التطبيقات العلمية للاكتشاف لتوسيع آفاقنا سواء على الأرض أو فيما وراءها.
الأسئلة الشائعة
س: ما هي أشهر الحيوانات التي تعيش بلا أكسجين؟
ج: الكائنات الأكثر شهرة هي الوريقيات (Loricifera). وهي حيوانات مجهرية متعددة الخلايا تم اكتشاف ثلاثة أنواع منها تعيش بشكل إلزامي في حوض أتالانتي الملحي.
س: كيف تستطيع هذه الكائنات إنتاج الطاقة؟
ج: بدل من استخدام الميتوكوندريا والتنفس الهوائي. تستخدم هذه كائنات بلا أكسجين عضيات بديلة تسمى “الجسيمات الهيدروجينية” (Hydrogenosomes) لإنتاج الطاقة (ATP) في عملية لاهوائية تطلق غاز الهيدروجين.
س: أين توجد أمثلة من الأعماق؟
ج: توجد هذه الكائنات في أحواض الملح القاعية اللاهوائية (Anoxic Brine Pools). مثل حوض أتالانتي في أعماق البحر الأبيض المتوسط.
س: ما هي أهمية التطبيقات العلمية للاكتشاف؟
ج: الأهمية الرئيسية تكمن في علم الأحياء الفلكي. حيث يثبت أن الحياة المعقدة لا تتطلب الأكسجين. مما يزيد من احتمالية وجود حياة حيوانية على عوالم أخرى ذات محيطات جوفية خالية من الأكسجين.
المراجع
- science ScienceShot: Animals That Live Without Oxygen بتصرف
- steamcommunity From The Depths بتصرف
مشاركة المقال
هل كان المقال مفيداً
الأكثر مشاهدة
ذات صلة

عادات وتقاليد شعب مدغشقر

فعاليات مهرجان التسوق والترفيه في الرياض

أين يقع فيا الرياض؟

أجمل عبارات تهنئة عيد الأضحى قصيرة للأهل والأصدقاء

أهم فعاليات مهرجان قاف في الرياض

العيد الوطني لسلطنة عمان

أهم فعاليات مهرجان جازان في الشتاء

ماهي صينية المهر؟

لماذا قد ترغب في تجربة رحلتك بمفردك

ماهو مفهوم الحرية؟

ماهي حقوق المرأة في الإسلام؟

ماهي تقاليد العرس في المغرب؟

ماهي العناصر الأساسية للخطبة؟

ماهو معنى ذوي الإحتياجات الخاصة؟
















