مجددو الإسلام: من أحيوا سنة وأماتوا بدعة

يعد مجددو الإسلام من أعظم الشخصيات التي كان لها أثر بارز في الحفاظ على نقاء الدين وإحياء روحه في قلوب المسلمين عبر العصور. فهم الذين جددوا الإيمان في النفوس. وردّوا الأمة إلى منهجها الصحيح كلما ابتعدت عن تعاليم الإسلام. لم يكن تجديدهم اختراعًا في الدين، بل عودة صادقة إلى أصوله النقية. وفهم عميق لروح الشريعة ومقاصدها، ومن خلال علمهم وجهادهم وإصلاحهم للمجتمع، استطاعوا أن يجمعوا بين الأصالة والمعاصرة. فيربطوا الحاضر بالماضي بروح متجددة.
محمد بن عبد الوهاب: مجدد الجزيرة

الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يمثل علامة فارقة في تاريخ الجزيرة العربية. فهو يعد بحق أحد أبرز مجددو الإسلام في عصره، ولد في نجد في زمن كانت فيه الحياة الدينية والاجتماعية يغلب عليها التقليد والابتعاد عن الأصول النقية للدين. كان الرجل عالماً فقيهاً، ولكنه رأى ضرورة تحويل العلم إلى عمل، وبدأ رحلته الدعوية بتصحيح المفاهيم الأساسية.
كانت دعوته تقوم على التوحيد الخالص، والعودة إلى مصادر التشريع الأساسية. وهي الكتاب والسنة. وقد رأى الشيخ أن الكثير من البدع والممارسات التي لا أساس لها في الدين قد انتشرت بين الناس، مما أدى إلى تراجع فهمهم للعقيدة الصحيحة، ولذلك كانت جهوده مركزة على تنقية العقيدة من أي شوائب شركية أو بدعية. مؤكداً على أهمية معرفة من هو أول مجدد في الإسلام؟ للتأسي بمنهجه.
واجه الشيخ معارضة شديدة في البداية، إذ إن التغيير عادةً ما يواجه مقاومة من المعتادين على طرق قديمة. ولكنه لم ييأس أو يتراجع، بل وجد الرجل ضالته في الاتفاق مع الأمير محمد بن سعود “حاكم الدرعية” وهذا التحالف بين العلم والسلطة كان له أثر بالغ في ترسيخ دعوته. ونتيجة لذلك. أصبحت الدرعية، ومن ثم الدولة السعودية لاحقاً، منطلقاً لهذه الحركة الإصلاحية.
استلهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب منهجه من كبار أئمة التجديد قبله. مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فكان يرى أن الإسلام يجب أن يفهم كما فهمه السلف الصالح، ولهذا السبب كان تركيزه منصباً على محاربة مظاهر الشرك والبدع المتعلقة بالقبور والتبرك المفرط، وهو ما جعله يصف نفسه بأنه داعية لإحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً، لا يمكن أن نذكر تاريخ التجديد الحديث دون أن نتوقف طويلاً عند هذا الشيخ الجليل. لقد كان لمحمد بن عبد الوهاب دور تأسيسي ليس فقط على المستوى الديني. ولكن أيضاً على المستوى السياسي والاجتماعي في الجزيرة العربية، وهو ما يجعله رمزاً بارزاً من رموز مجددو الإسلام. [1]
تعرف أيضًا على: أنبياء أقل شهرة: رسل منسيون في القرآن
جمال الدين الأفغاني: داعية اليقظة

جمال الدين الأفغاني، شخصية آسرة ومعقدة، كان بحقّ “داعية اليقظة” وأحد أبرز مجددو الإسلام الذين ظهروا في فترة عصيبة على العالم الإسلامي. هذه الفترة كانت تشهد استعمار غربي واسع وضعف داخلي غير مسبوق في صفوف الأمة. وبالتالي لم يكن الأفغاني مجرد عالم دين تقليدي، بل كان مفكراً وسياسياً ثائراً.
كان الأفغاني يرى أن الداء الذي أصاب المسلمين هو الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي. وأن العلاج يبدأ من إيقاظ العقول وتحرير الأوطان، ولهذا الغرض تميزت دعوته بصبغة سياسية قوية. حيث كان يجوب العواصم الإسلامية والأوروبية يدعو إلى الاتحاد والتخلص من التبعية.
لقد ركز الأفغاني في خطابه على ضرورة العودة إلى قوة الإسلام الحقيقية، مشدداً على أن الإسلام ليس دين رهبانية أو خمول. بل هو دين علم وحركة وسياسة، ونتيجة لذلك كان يدعو المسلمين إلى الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة، خاصة في مجالات العلم والصناعة، ولكنه كان يرى أن هذا يجب أن يتم مع التمسك بالهوية الإسلامية، مذكراً دوماً بأهمية معرفة من هم مجددين الإسلام؟
من أهم الأساليب التي اتبعها الأفغاني في دعوته هو الصحافة. حيث أسس مع تلميذه محمد عبده جريدة “العروة الوثقى” في باريس. وقد كانت هذه الجريدة بمثابة منبر فكري وسياسي يدعو إلى الجهاد والمقاومة ضد المستعمر. وينشر الوعي بين المثقفين. لقد أدرك الأفغاني أن الكلمة المطبوعة سلاح فتاك في ذلك الزمن.
وعلى الرغم من الجدل الذي أحاط بشخصيته وبأفكاره الجريئة، يبقى جمال الدين الأفغاني ملهماً لأجيال من المصلحين والمفكرين. كما كان دوره الأساسي هو دق ناقوس الخطر، وتحريك المياه الراكدة في الفكر والسياسة. وهذا هو جوهر عمل مجددو الإسلام. [2]
تعرف أيضًا على: تجار المسلمين: الجمع بين التجارة والدعوة
محمد إقبال: شاعر الإسلام

عندما نذكر مجددو الإسلام، لا يمكننا أن نتجاهل اسم محمد إقبال. “شاعر الإسلام وفيلسوفه”، الذي لم يستخدم القلم للكتابة الفقهية التقليدية. بل استخدم الشعر سلاحاً فتاكاً لإحياء روح الأمة، ولد في الهند وأخذ تعليمه في أوروبا، لكن قلبه ظل معلقاً بالإسلام وبتاريخ أمته المجيد.
رأى إقبال أن أكبر مشكلة تعاني منها الأمة الإسلامية هي السلبية والركود واليأس. وهو ما أسماه “فقدان الذات” أو “الخودي” بلغة البشتو. ولهذا السبب جاء شعره وفلسفته ليدعو إلى اكتشاف الذات وتقويتها، وإلى الثقة بالنفس والعمل الدؤوب، محارباً بذلك الفكر الصوفي المنزوي عن الحياة، وبالفعل لقد أيقظ في الشباب روحاً جديدة من العزيمة والإرادة.
وكانت فكرته المحورية هي أن الإيمان ليس مجرد طقوس وشعائر، بل هو قوة دافعة للتغيير والبناء. كان يرفض رفضاً قاطعاً فكرة “الجبرية” التي تجعل الإنسان سلبياً تجاه قدره، بل كان يدعو إلى “الحركة” و”الجهاد” بمعناه الشامل، الفكري والعملي، كطريق وحيد للنهضة.
لم يقتصر تأثير إقبال على الشعر والفكر فحسب، بل كان له دور سياسي محوري. فهو يعتبر الأب الروحي لفكرة تأسيس دولة باكستان للمسلمين في شبه القارة الهندية، ورأى أن المسلمين في الهند لن يتمكنوا من الحفاظ على هويتهم إلا بكيان سياسي خاص بهم. كان هذا التفكير الجريء نابعاً من إيمانه بأن الإسلام نظام حياة متكامل. لا ينفصل فيه الدين عن الدولة.
أما بالنسبة إلى ما هو مفهوم التجديد في الإسلام؟ يمكن أن نجيب على هذا السؤال بالنظر إلى إقبال. فالتجديد ليس فقط في الفقه، بل هو تجديد شامل في الروح والفكر والسياسة. لقد استطاع إقبال أن يلهم الملايين بشعره وفلسفته، مذكّراً إياهم بمكانة الإنسان المسلم ودوره الحضاري، وهو ما يؤكد مكانته بين مجددو الإسلام.
تعرف أيضًا على: معركة فيينا: نهاية التوسع العثماني
حسن البنا: مؤسس الإخوان
حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، يعد واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في الحركة الإسلامية المعاصرة. وهو ضمن طليعة مجددو الإسلام في القرن العشرين. وكان مدرساً بسيطاً من مصر. ولكنه كان يحمل رؤية عميقة لإعادة الإسلام كقوة فاعلة في المجتمع والدولة.
بدأ البنا دعوته من خلال لمس احتياجات الناس اليومية وقضاياهم الاجتماعية. ولم يبدأ من التنظير الفكري المعقد. لقد أدرك أن ضعف الأمة سببه الرئيسي. هو البعد عن الشمولية التي جاء بها الإسلام، ولهذا جاءت دعوته لتعيد تقديم الإسلام كمنهج حياة متكامل، يشمل الفرد والأسرة والمجتمع والحكومة.
إحدى أهم مميزات دعوة البنا كانت التنظيم والتربية، فقد أسس جماعته على أركان واضحة ومراحل متدرجة. بدءاً من التربية الفردية، ثم تكوين الأسرة المسلمة، وصولاً إلى بناء المجتمع الصالح، ومن ثم استئناف الدور العالمي للأمة، وقد كان يعتقد أن العمل الإسلامي يحتاج إلى جهد جماعي منظم، وهذا ربما ما ميزه عن الكثير من المصلحين الفرديين.
كما اعتمد البنا في دعوته على الإقناع الهادئ، والعمل الاجتماعي والخيري، مما جعل لدعوته شعبية واسعة بين مختلف فئات المجتمع، وكانت رسالته واضحة: الإسلام دين شامل لا يغفل أي جانب من جوانب الحياة.
تعرف أيضًا على: حراس الثغور: من دافع عن حدود الإسلام
ولذلك كان البنا يدعو إلى

- إصلاح الفرد روحياً وأخلاقياً
- إصلاح الأسرة على أسس إسلامية متينة
- إصلاح المجتمع من خلال الأعمال الخيرية والتوعوية
- إصلاح الحكومة والدولة لتطبيق شرع الله
- التحرر من الاحتلال الأجنبي
بهذه الرؤية الشمولية، استطاع حسن البنا أن ينشئ حركة عابرة للأقطار، وأن يجعل فكرة التجديد الإسلامي تنتقل من دائرة النخبة إلى دائرة الجماهير العريضة، مؤكداً على أنه من مجددو الإسلام الذين تركوا أثراً عميقاً.
تعرف أيضًا على: جواسيس المسلمين: عيون الجيوش
أبو الأعلى المودودي: مفكر الإسلام

الأستاذ أبو الأعلى المودودي، المفكر الباكستاني، هو أحد الأعمدة الفكرية التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن مجددو الإسلام في العصر الحديث، وكان الرجل مفكراً وعالماً غزير الإنتاج، وقد أسس “الجماعة الإسلامية” في الهند ثم باكستان، ليجمع بين التنظير الفكري والعمل التنظيمي.
لقد عاش المودودي فترة حرجة من تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية، فترة صراع الهوية بين المسلمين والهندوس، لذلك كان تركيزه الأساسي على تعريف المسلمين بهويتهم الإسلامية النقية، وضرورة إقامة نظام حياة إسلامي كامل، وفي هذا السياق كان ينظّر لـ “الحاكمية” لله، مؤكداً أن الإسلام ليس مجرد عقيدة فردية بل نظام حكم ودولة.
ما يميز المودودي هو قدرته الفائقة على تناول القضايا المعاصرة بلغة عصرية ومنهجية عميقة، كما أنه ألف عشرات الكتب التي تناولت الاقتصاد الإسلامي، والنظام السياسي والتفسير القرآني، فكانت كتاباته بمثابة مرجع فكري لأجيال من الدعاة والعلماء. أما بالنسبة إلى هل ابن عثيمين من المجددين؟ هذا رأي يعود للعلماء، لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن المودودي وضع أسساً فكرية متينة للتجديد.
لقد كان المودودي يؤمن بأن التغيير يبدأ بالفكر، فبدأ مشروعه بـ “تفهيم القرآن” – وهو تفسير للقرآن الكريم يربطه بواقع المسلمين وقضاياهم المعاصرة، وقد كان هدفه هو سد الفجوة بين النص القرآني وواقع الأمة المتأخرة، وإعادة الثقة في صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان.
يمكن القول بأن المودودي لعب دوراً محورياً في صياغة الفكر السياسي للحركات الإسلامية الحديثة، بتركيزه على ضرورة بناء الدولة الإسلامية وإقامة نظام العدالة، وهذا ما يجعله أحد أهم مجددو الإسلام، ومفكرهم الأول بلا منازع في زمنه. أليس هذا ما يفعله مجددو الإسلام؟
وهنا وصلنا إلى ختام رحلتنا السريعة مع هذه النماذج الخمسة الملهمة، خمسة من كبار مجددو الإسلام الذين أحيوا سنة وأماتوا بدعة، فقد رأينا كيف أن التجديد في الإسلام ليس له قالب واحد، بل هو حركة دائمة تأخذ أشكالاً مختلفة، فمن محمد بن عبد الوهاب الذي ركز على تجديد العقيدة وتنقيتها من الشوائب، إلى جمال الدين الأفغاني، الداعية الذي نادى باليقظة السياسية والوحدة الإسلامية لمواجهة الاستعمار، مروراً بمحمد إقبال الشاعر الفيلسوف الذي أيقظ روح الأمة ودعاها لاكتشاف “الذات” والثقة بالنفس. ثم حسن البنا، المؤسس الذي حول فكرة التجديد إلى حركة جماهيرية منظمة وشاملة، وصولاً إلى أبو الأعلى المودودي، المفكر الذي صاغ الإطار الفكري والسياسي لإعادة إقامة نظام الحكم الإسلامي. كل واحد من هؤلاء الرجال العظام جسّد معنى مجددو الإسلام في ميدانه، ولكنهم جميعاً اشتركوا في هدف واحد: إعادة مجد الأمة من خلال العودة إلى جوهر الدين، ورفض الركود والتقليد الأعمى.
أسئلة شائعة
س1: ما هو الحديث النبوي الذي يعد الأساس الشرعي لمفهوم مجدد الإسلام؟
ج1: الحديث هو: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.
س2: ما هي أبرز الفروق بين التجديد والإبتداع في الميزان الشرعي؟
ج2: التجديد هو إحياء ما اندرس من السنن وإعادة الناس إلى الأصول الثابتة، بينما الابتداع هو إحداث شيء في الدين لم يكن له أصل شرعي.
س3: ما هي الأداة التي استخدمها جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده لنشر أفكارهما الإصلاحية؟
ج3: استخدموا الصحافة، وتحديداً جريدة “العروة الوثقى” التي صدرت من باريس.
س4: ما هو المفهوم الفلسفي الذي ركز عليه محمد إقبال في شعره وفلسفته لإيقاظ الذات المسلمة؟
ج4: مفهوم “الخودي” (الذات) الذي يدعو إلى تقوية الإرادة واكتشاف الذات الفردية والجماعية.
س5: ما هو الاسم الذي أطلقه أبو الأعلى المودودي على تفسيره للقرآن الكريم، الذي ربطه بالقضايا المعاصرة؟
ج5: تفسير “تفهيم القرآن”.
المراجع
- alukah Muhammad Ibn Abdul-Wahhaab -بتصرف
- degruyterbrill 15. Jamal al-Din al-Afghani and the Muslim Awakening -بتصرف
مشاركة المقال
وسوم
هل كان المقال مفيداً
الأكثر مشاهدة
ذات صلة

جواسيس المسلمين: عيون الجيوش

حراس الثغور: من دافع عن حدود الإسلام

معركة فيينا: نهاية التوسع العثماني

تجار المسلمين: الجمع بين التجارة والدعوة

أنبياء أقل شهرة: رسل منسيون في القرآن

معركة جالديران: الصراع العثماني الصفوي

اليرموك بداية الفتوحات الإسلامية

معركة الأرك: انتصار الموحدين في الأندلس

قصص الرحمة: قصص في العطف والشفقة

قصص المعجزات: معجزات الأنبياء والرسل

قصص الوحي: قصة نزول الوحي على الأنبياء

قصص البلاء: قصص في الابتلاء والثبات

قصص الأخلاق: قصص في الأخلاق الحميدة

قصص الدعاة: دعاة الإسلام عبر العصور


















